جريدة وطنية تغطي كل المكاتب الولائية والجهوية واللجان

الهوية الثقافية

دور الهوية الثقافية في الحفاظ على المدرسة

 

الهوية الثقافية

مما لاشك فيه أن الهويَّة الثقافيَّة تشكل لأيِّ مجتمعٍ الإطارَ النفسي والفِكري العام الذي يعبِّر عن وجوده الاجتماعي؛ فلكلِّ أمَّة من الأمم ثوابت تمثِّل القاعدةَ الأساسيَّة لبنائها، وفي طليعة هذه الثوابت تَأتي الهويَّة باعتبارها المحور الذي تتمركَز حوله بقيَّة الثوابت، وهي نتيجة للتفاعُل بين مجموعةٍ من العوامل الفكريَّة والمعرفيَّة، التي تحكم سلوكَ أعضائه، وتوجِّه حرَكتهم، وتحدِّد لهم مساراتهم المتعدِّدة في الحياة، ووعيَهم، وطبائعهم وأمزجتهم، وتصوراتِهم عن الكون والوجود، ومعايير السُّلوك، ونظامَ القِيَم واجبَ الاتِّباع.

ومن هنا تأتي أهميَّة التربية والتعليم على الهويَّة أو التربية من أجل تعزيز الهويَّة الثقافيَّة والاجتماعية، من أجل مواجهة ما تفرضه العولَمةُ – خاصَّة في شقِّها الثقافي – من تحدِّيات للأمَّة.
أولاً: مفهوم الهوية الثقافية – الاجتماعية:
ويعرِّفها آخرون بأنَّها الشَّفرة التي يمكن للفرد عن طريقها أن يعرِّف نفسَه في علاقته بالجماعة الاجتماعيَّة التي ينتمي إليها، والتي عن طريقها يتعرَّف عليه الآخرون باعتباره منتميًا إلى تِلك الجماعة، والهويَّة كيان يصير ويتطوَّر، وليست معطًى جاهزًا ونهائيًّا، فهي تتطوَّر إمَّا في اتِّجاه الانكماش، وإمَّا في اتِّجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلِها ومعاناتهم وانتصاراتهم وتطلُّعاتهم، وأيضًا باحتكاكها سلبًا وإيجابًا مع الهويَّات الأخرى .

ولذلك كان لفِقدان الهويَّة أحيانًا، واضطرابِها وأزمتها أحيانًا أخرى – أثرُها الواضح والمباشِر على شعور الفرد بالعزلَة والاغتراب واليأسِ والتشاؤم، وانعكاس ذلك واضح على صحَّة الفرد النفسيَّة والاجتماعيَّة؛ حيث انحلال الشخصيَّة وازدواجيَّتها وصراع القِيَم وسوء التوافق، ممَّا يهدِّد استقرارَ المجتمع وأمنه.
ثانيًا: مفهوم العولَمة الثقافية:
التعريف البسيط للعولمة هو أنَّها: “الاتجاه نحو عالَم واحد مترابِط ومتكامل، وقد برزَت العولَمة في القرن العشرين من خلال الرَّبط بين الدول والشعوب في جميعِ أنحاء العالَم عبر وسائل النقل…، وفي القرن الحادي والعشرين تسارعَت العولَمة بفضل سُرعة الاتصالات من خلال الهاتِف والإنترنت، وأصبح العالَم مترابطًا ومتكاملاً حقًّا؛ بحيث نستطيع إجراءَ المحادَثات الصوتيَّة والرقمية مع أيِّ شخصٍ، وفي أيِّ مكان، وفي أيِّ وقت.
ويعدُّ البعد الثقافي – الاجتماعي للعولَمة من أخطر أبعادِها؛ فهي تعني إشاعَةَ قِيَم ومبادئ ومعايِير ثقافة واحدة، وإحلالها محلَّ الثقافات الأخرى؛ ممَّا يعني تلاشي القِيَم والثَّقافات القوميَّة، وإحلال القِيَم الثقافيَّة للبلاد الأكثر تقدُّمًا محلَّها، وخاصَّة أمريكا وأوروبا، الأمر الذي ينعكس على الهويَّة الثقافيَّة العربية.
ثالثًا: دور التربية في الحفاظ على الهوية الثقافية في المجتمع العربي:
إذا كان تعزيز الهويَّة الثقافيَّة هو مهمَّة مؤسَّسات وقطاعَات متعدِّدة، فإنَّ هناك قِطاعات بعينِها لها دَور أكبر، وفي مقدِّمة هذه القطاعات قطاعُ التعليم، المنوط به تَربية النَّشء، وغَرس القِيَم في عقولِهم وقلوبهم منذ سنواتهم الأولى، ودعم قِيَم الولاء والانتماء، والتأكيد على الثَّوابت القوميَّة، وتعزيز الهويَّة الثقافيَّة، وترسيخ ثوابتها ودَعائمها الأساسيَّة.

ومن هنا يجب على التربية العربيَّة أن تسعى لتأكيد الهويَّة العربيَّة الإسلاميَّة بثوابتها ومكوِّناتها وأبعادِها المختلفة، وتحصينها ضد محاولات السَّيطرة والهيمنة، وفي نفس الوقت يجب عليها أيضًا التأكيد على تَعزيز التفاعُل الإيجابي مع معطَيات الثَّقافات الأخرى؛ بحيث يقوم هذا التَّفاعل على الندِّية والتأثير المتبادَل، والإفادة من عناصر التميُّز في ثقافة الآخر دون انبهارٍ أو ذَوَبان.
أ – تعزيز البناء القيمي والديني للفرد:
حيث يؤكِّد التاريخُ أنَّ استنهاض الشُّعور الدِّيني هو الطريق الرَّئيس للأمَّة حتى يمكنها المشارَكة في المشهد الحضاري العالَمي المعاصِر، كما أنَّ صياغة الشخصيَّة السويَّة لا بدَّ أن يستند إلى أساسٍ دينيٍّ وعقائديٍّ، من أجل بناء ذاتية تُصغي إلى أوامِر بارئها وتطبِّق أحكامه، وبالتالي فإنَّ تربية الشخصيَّة الإنسانيَّة على أساس ديني وأخلاقيٍّ يُظهر ملامحَ الهويَّة الثقافية.

ب – الإيمان بأهمية التواصل الحضاري:
وهذا يعني أهميَّة الحفاظ على الهويَّة الثقافيَّة من خلال القدرة على التعامُل بشكلٍ إيجابيٍّ مع التعدُّديَّة الفكريَّة والثقافيَّة والعرقيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة؛ وذلك لأنَّ التعدُّديَّة مبدأ تربويٌّ إسلامي؛ بل هو سُنَّة من سنن الله في خَلقه؛ ولذلك فإنَّ تربية الفردِ في ضوء هذه التعدُّديَّة يمكن أن تنمِّي فيه روحَ التسامح ورفض التعصُّب، واحترامَ الآخر وقَبول الاختلاف مع الغير.

ج – أهمية الجمع بين الأصالة والمعاصرة:
فلا بدَّ أن يكون هناك تواصل بين التراث وثَقافة المجتمع المعاصِرة، وَفق عمليَّة انتقاء دَقيقة؛ بحيث يكون هذا التراث معينًا في بِناء الحاضِر ورَسم صورة المستقبل، مع ضرورة تشبُّع التعليم بمقوِّمات ثقافة المجتمَع وشخصيَّته، وفي نفس الوقت جعل هذا التراث عاملاً مساعدًا على تحديد اتِّجاه التطوُّر الذي ننشده، ودعامة قويَّة لهويَّتنا الثقافيَّة.

د – بثُّ روح العلم والإبداع:
إنَّ العصر الذي نَعيشه هو عصر العِلم والمعرفة، ومَن يمتلِك المعرفةَ هو الذي سيتحكَّم في العالَم ومصيره، وبالتالي فلا سبيل لسدِّ الفجوة الحضاريَّة بيننا وبين الغرب إلاَّ بالتفوق في المجال العِلمي والتقني، ونشر روح الإبداع؛ بحيث تكون المنطلَق الأساس الذي تتكوَّن من خلاله وفي إطاره سائرُ الغايات التربويَّة، التي يجب أن تنتظم عملَ التربية، إذا ما أردنا الحفاظَ على هويَّتنا الثقافيَّة حيَّةً وفاعِلة.

هـ – النهوض باللغة العربية:
اللغة هي أَداة التعلُّم والتفكير والاتصال الاجتماعي، كما أنَّها تمثِّل ذاكرةَ الأمَّة وأبرز مظاهِر ثقافتِها؛ لذلك فإنَّ أزمَة اللُّغة العربيَّة الرَّاهنة هي أزمة الهويَّة الثقافيَّة في الوقت ذاتِه؛ ولهذا لا بدَّ من الاهتمام باللُّغة العربيَّة والنهوض بها، ومن متطلَّبات ذلك توجيه المعلِّمين لأهميَّة الحديث والتدريس باللُّغة العربيَّة الفصحى، وتعويد تلاميذهم على التحدُّث بها، مع تبصِيرهم بأخطائهم في أعمالِهم التحريريَّة ومتابعة التصويبِ لهم، فالمعركة الحقيقيَّة لا تكمن في مواجهة تَعليم اللُّغات الأجنبيَّة، بل ينبغي أن تكون تِلك المعركة ضدَّ العوامِل التي تُضعف من شأن اللُّغة القوميَّة، وليس هذا معناه تجاهل اللُّغات الأجنبيَّة أو مقاومة تعليمها، ولكن يكون تعلُّم الفرد للغةٍ أجنبيَّة بعد تمكُّنِه من لغته القوميَّة.

مصدر د. خالد عبد اللطيف

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن
close-link
close-link